المدينة الفاضلة.. حلم أم حقيقة؟

//المدينة الفاضلة.. حلم أم حقيقة؟

المدينة الفاضلة.. حلم أم حقيقة؟

2017-09-23T15:43:04+00:00

إذا كنتم تحلمون بإدخال السلام على الإنسانية كلها صغيرها وكبيرها، فاغرسوا عقيدة الحشر في قلوبها. حينئذ تستقيم أمور الشباب، ويترك الأولاد العبث، وتغمر السعادة أرواح الشيوخ حيث يؤمنون أنهم في سبيلهم إلى الجنة، وتومض بوارق البهجة والسرور في أنحاء كل بيت، وتترنم الألسنة بمعانٍ من الآخرة قبل الانتقال إليها، فتتمثل حياة الجنة في الدنيا واقعًا.

هل تحلمون بإدخال السلام على الإنسانية كلها؟ اغرسوا عقيدة البعث بعد الموت في القلوب.

أسباب السعادة

المدن منازل الإنسان الكبيرة، فكيف يعم السلام دنيا شبابُها عبيد لأهوائهم، وشيوخها قد استبد بهم اليأس والقنوط، وظُلَّامُها يستمتعون بأنات المظلومين كأنها ترنيمات ناي شجية، المدن والبلاد في مثل هذه الدنيا خالية من السعادة، لأنها خالية من أسبابها.

للصلاة أركان لا تصح الصلاة إلا بها، وإذا شملها الخشوعُ تبلغ ذروة الكمال، فيُحسّ العبدُ ببسمة المعراج الحلوة ترتسم على شفتيه، وقد تقع له لحظة لا تساويها لذائذ ألف سنة.

كذلك لا تحظى المجتمعات والأمم بالسعادة كاملة إلا إذا توفرت أسبابها وأركانها في أفرادها التي تكونها، فلا تقوم مدينة مثالية إلا تحت ظل نظام مثالي، فلندع أفلاطون يحلم بهذه المدينة المثالية في “جمهوريته”، ولنترك الفارابي يسبح في خيالاته ويرسم خطوطها في “مدينته الفاضلة”، فهم لن يستطيعوا استخراج المدينة المثالية إلى ساحة الواقع أبدًا، لأنها محرومة من الأركان التي تقوم عليها، وأعظم ركن ينشر السلام في الحياة ويُوشِيها به؛ هو الشعور بصَغار الدنيا والزهدُ فيها، ثم الإيمانُ بالآخرة والتطلع الدائم إليها.

الفرصة الوحيدة

إن من أعظم الإنجازات التي أجراها رجل العدل والميزان صلى الله عليه وسلم ، هو أنه أقام نظام العالم الذي أنشأه على ركن ركين، وهو فكرة الحساب على الأعمال كلها، فما هذه الحياة إلا مقدمة للآخرة، ومزرعة لها، والفرصة الوحيدة التي وُهبت للإنسان كي يوقد في قلبه نورًا للآخرة، ولذلك أطلق لهذه الحياة اسم الدنيا، ولتلك اسم الآخرة، فالبذور التي تُلقَى هنا تُحصَد هناك.

لا تنال المجتمعات السعادة كاملة إلا إذا توفرت أسباب السعادة في أفرادها.

هذا هو الدرس الذي بثه الرسول صلى الله عليه وسلم في القلوب كلها؛ فسكنت به، واطمأنت له، وفاضت بأنواره حتى باتت الدنيا صغيرة زهيدة لا تساوي شيئًا في أعين ذلك الجيل الذهبي.

عن أم سلمة رضي الله عنه قالت: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلان يختصمان في مواريث لهما لم تكن لهما بيّنة إلا دعواهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : “إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ”، فَبَكَى الرَّجُلَانِ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حَقِّي لَكَ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَمَّا إِذْ فَعَلْتُمَا مَا فَعَلْتُمَا فَاقْتَسِمَا، وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ تَحَالَّا” .

إيمان الصحابة

وهكذا نرى كيف انتظمت الحياة تحت ظل الإيمان بيوم الحساب، لقد بلغ الأمر من الجدّ إلى درجة أنه عندما أدرك أحد الصحابة أنه خان اللهَ ورسولَه، مضى لفوره إلى المسجد النبوي، فربط نفسه بسارية، وحلف ألا يحل نفسه حتى يتوب الله عليه.. هكذا عاقب نفسه، وآخر يعتقد أن السيئة التي اقترفها لا يمحو آثارها من القلب إلا دمٌ يراق في سبيل الله، فلا تخامره ذرة من تردد…

Leave A Comment